العلامة المجلسي

190

بحار الأنوار

إليك انتهى . ويحتمل أن يكون المعنى أن الطافك ورحماتك تزيد على عبادته كما ورد في الحديث القدسي من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " ، ومن تقرب إلى ذراعا " تقربت إليه باعا " . " خائنة الأعين " أي النظرة الخائنة الصادرة عن الأعين ، أو الخائنة مصدر كالعافية أي خيانة الأعين . وقال الوالد - ره - في أكثر نسخ التهذيب : " يدلج " بالياء فيحتمل أن يكون صفة للبحر إذ السائر في البحر يظن أن البحر متوجه إليه ويتحرك نحوه ، ويمكن أن يكون التفاتا " فيرجع إلى المعنى الأول انتهى . " غارت النجوم " أي تسفلت وأخذت في الهبوط والانخفاض ، بعد ما كانت آخذة في الصعود والارتفاع ، واللام للعهد ويجوز أن يكون بمعنى غابت بأن يكون المراد بها النجوم التي كانت في أول الليل في وسط السماء " والسنة " بالكسر مبادي النوم . " لايات " أي علامات عظيمة أو كثيرة دالة على كمال القدرة " لأولي الألباب " أي لذوي العقول الكاملة ، وسمى العقل لبا " لأنه أنفس ما في الانسان فما عداه كأنه قشر " ربنا ما خلقت هذا باطلا " ( 1 ) أي قائلين حال تفكرهم في تلك المخلوقات العجيبة

--> ( 1 ) إنما تفرع قوله " فقنا عذاب النار " على قوله " ربنا ما خلقت هذا باطلا " لان هناك مقالتين : مقالة المبطلين النافين للمعاد بالرجوع إلى الله ، فعندهم لا كتاب ولا رسالة ولا حشر ولا جنة ولا نار ، ومقالة المحقين القائلين بالمعاد - وهو مقالة النبيين وأممهم - فعندهم أن الكتاب حق والنبوة حق والمعاد حق والجنة حق والنار حق وأن الله يبعث من في القبور . فإذا تفكر المتفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ، وعرف بلبه أن لها غاية ونهاية أراد مبدعها وخالقها أن ينتهى أمر الخلقة إلى تلك الغاية والمقصد ، أدى نظره واعتباره إلى بطلان مزعمة المبطلين وتحقيق عقائد المحقين من وجود الجنة والنار ، فبادر إلى الاستعاذة بالله من النار بأن يقيه من عذابه . بيان ذلك : أن الباطل - خلاف الحق - هو ما لا ثبات لنفسه ، ولا أثر يترتب عليه ، ولا فائدة تستعقبه ، ولا يتصور له غاية تراد منه ، بل يوجد بحقيقة صورية يشبه الحق ثم يضمحل ويهلك كأن لم يكن شيئا " مذكورا " . وهذا كاللهو واللعب : يلهو الصبي ويلعب لأجل اللهو واللعب ويعمل عملا كأعمال العقلاء يتشبه بهم من دون عائدة يستحصلها ولا غاية ينتهى إليها ، كما قد يلهو الرجل العاقل ويلعب عبثا من دون أن يقصد بعمله فائدة ، دفعا للوقت أو تصابيا " وتفننا " والجنون فنون . هذا هو الباطل ، وأما خلق السماوات والأرض بما فيها من العظمة والبهاء ، بما فيها من النظام الدائم الجاري ، بما فيها من أنواع الحيوان وأصناف البشر ، بما قدر فيها من الأرزاق والأقوات ، بما جعل فيها من تعاقب الليل والنهار وما في تعاقبهما واختلافهما من مصالح الحياة واستدامتها على وجه الأرض لا يشبه اللهو الباطل ، فسبحان باريها ومبدعها أن يكون لاهيا " في ذلك لاعبا " ، أو يترك الانسان على أرجائها سدى يرتع ويلعب من دون أن يبين لهم ما يتقون . فإذا عرف الناظر ذو اللب أن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار غاية أرادها مبدعها ، وأن تلك الغاية - أياما كان - لم تستكمل بعد ، والا لما استدام خالقها على ابقائها ، علم بذلك أن لا بد للسموات والأرض وبقائهما من أجل مسمى يستكمل عنده الغاية وان لم يعرف حقيقة تلك الغاية بنفسه ، ولا درى كيف يأتي أجلها ولا أيان مرساها . فعند ذلك ينجذب هذا الناظر المتفكر إلى مبادئ الوحي والالهام ، ويصغى بسمع قلبه إلى دعوى النبيين عن الله عز وجل ليعرف من مقالهم ومقال كتب الله المنزلة عليهم حقيقة تلك الغاية ، والغرض من خلق الحياة والموت ، فيصرخ الصارخ في صماخه أن اليوم المضمار وغدا السباق ، والسبق الجنة ، والغاية النار ، هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور . وفي ذلك قال الله عز وجل : أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما الا بالحق واجل مسمى وان كثيرا " من الناس بلقاء ربهم لكافرون ( الروم : 8 ) ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ان كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ( الأنبياء : 16 - 18 ) . وقال عز وجل : ان هؤلاء ليقولون : ان هي الا موتتنا الأولى وما نحن بمنشيرين فأتوا بآبائنا ان كنتم صادقين . . وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما الا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ان يوم الفصل ميقاتهم أجمعين . ( الدخان : 34 - 40 ) . وقال تبارك وتعالى : ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ( ص : 27 - 29 ) .